السيد محمد باقر الصدر
96
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
3 - السنّة المصاغة على صورة الاتجاه الطبيعي : الشكل الثالث للسنة التاريخية : وهو شكل اهتمّ به القرآن الكريم اهتماماً كبيراً ، هو السنة التاريخية المصاغة على صورة اتّجاه طبيعي في حركة التاريخ لا على صورة قانون صارم حدّي . وفرق بين الاتّجاه والقانون . ولكي تتّضح الفكرة في ذلك لابدّ وأن نطرح الفكرة الاعتيادية التي نعيشها في أذهاننا عن القانون . القانون العلمي كما نتصوّره عادة : عبارة عن تلك السنة التي لا تقبل التحدّي من قبل الإنسان ؛ لأنّها قانون من قوانين الكون والطبيعة فلا يمكن للإنسان أن يتحدّاها ، أن ينقضها ، أن يخرج عن طاعتها . يمكنه أن لا يصلّي ؛ لأنّ وجوب الصلاة حكم تشريعي وليس قانوناً تكوينياً ، يمكنه أن يشرب الخمر ؛ لأنّ حرمة شرب الخمر قانون تشريعي وليس قانوناً تكوينياً ، لكنه لا يمكنه أن يتحدّى القوانين الكونية والسنن الموضوعية ، مثلًا : لا يمكنه أن يجعل الماء لا يغلي إذا توفّرت شروط الغليان ، لا يمكنه أن يتحدّى الغليان ، أن يؤخرّ الغليان لحظة عن موعده المعين ؛ لأنّ هذا قانون ، والقانون صارم ، والصرامة تأبى التحدّي . هذه هي الفكرة التي نتصوّرها عادة عن القوانين ، وهي فكرة صحيحة إلى حدّما ، لكن ليس من الضروري أن تكون كل سنّة طبيعية موضوعية على هذا الشكل بحيث تأبى التحدّي ولا يمكن تحدّيها من قبل الإنسان بهذه الطريقة ، بل هناك اتّجاهات موضوعية في حركة التاريخ وفي مسار الإنسان ، إلّاأنّ هذه الاتجاهات لها شيء من المرونة بحيث إنّها تقبل التحدّي ولو على شوط قصير ، وإن لم تقبل التحدّي على شوط طويل ، لكن على الشوط القصير تقبل التحدّي . أنت لا تستطيع أن تؤخّر موعد غليان الماء لحظة ، لكن تستطيع أن تجمّد هذه الاتجاهات لحظات من عمر التاريخ ، لكن هذا لا يعني أنها ليست اتّجاهات تمثل